تراكم النفايات في العراق… أزمة خدمات أم علامة على انهيار علاقتنا بالبيئة؟

شبكة إنماز نيوز / سيف الكرعاوي- باحث دكتوراة في الاعلام البيئي

تراكم النفايات اليوم واحد من أكثر أشكال التدهور البيئي قسوة ووضوحًا في العراق؛ نحن لا نتعامل مع “منظر مزعج” في الشارع فقط، بل مع منظومة كاملة من الخطر تبدأ من اللحظة التي تُرمى فيها الأكياس على الأرض ولا تنتهي عند حدود الحاوية. 

الخطر في النفايات المتراكمة انها تتحلل وتسرّب مواد كيميائية وميكروبات إلى التربة والمياه الجوفية، وتتحول إلى بؤر للحشرات والقوارض، وترتبط مباشرةً بزيادة الأمراض المعوية والتنفسية والجلدية، خاصةً في الأحياء الفقيرة والمهمَّشة؛ لا سيما ما تشير له التقديرات، أن العراق ينتج اليوم بين 30–40 ألف طن من النفايات الصلبة يوميًا، أي ما يزيد على 1–1.4 كغم للفرد في اليوم الواحد، ومعظمها يُطرح في مواقع ردم مفتوحة وغير نظامية. 

وعندما تُحرَق هذه النفايات في الهواء الطلق، ندخل مستوى آخر من الخطر، تتمثل في جسيمات دقيقة وغازات سامة نستنشِقها يوميًا وتُفاقم الربو وأمراض القلب والرئة، وتزيد من تلوّث الهواء وتغيّر المناخ، ما يحدث قرب الأنهار أخطر؛ لأن النفايات هناك تعني ببساطة تلويث ماء الشرب ومحاصيل الغذاء في الوقت نفسه؛ بحسب إحصاءات البيئة لعام 2024، حوالي ثلث السكان خارج إقليم كردستان لا يحصلون على خدمة جمع ونقل النفايات بشكل منتظم؛ أي أن مئات آلاف الأطنان تُترك في الشوارع والأراضي المفتوحة أو تُحرَق في الهواء الطلق.

وبحسب احدى الدراسات الاكاديمية في بعض المحافظات لا تتجاوز نسبة تغطية جمع النفايات 70٪ من الكميات المنتَجة، فيما لا تتعدى إعادة التدوير 5٪ تقريبًا وتتم غالبًا بطرق غير رسمية، والباقي يُدفن أو يُحرَق عشوائيًا.

ان ملف النفايات يرتبط الى حد وثيق بما يعاني منه العراق من زيادة الملوثات في الهواء، وهذا يمكن ان نلمسه في تسجيل ارقاماً عالية بشكل مستمر، مما يتطلب ان نبحث في إيجاد طرق حديثة في التعامل مع النفايات، لأنها لا تمثل صورة مزعجة فحسب، بل تنتقل الى ما يستنشق الانسان بشكل مستمر، من روائح كريهة “مرة”، وأساليب للتخلص منها “مرة أخرى”، وهنا يبرز الأسلوب الأكثر استخداماً “الحرق العشوائي”، بالقرب من المدن السكنية، وتأثير ذلك على مختلف الفئات، لا سيما التي تعاني من مشاكل صحية في التنفس.