الرقم ٥٦.. لغز انتخابي أم حساسية سياسية في العراق؟

سدن سالم – منذ بداية تسجيل المرشحين للانتخابات المحلية والبرلمانية الأخيرة في العراق، لاحظ المتابعون أن تسلسل الأرقام الممنوحة للمرشحين يتجاوز الرقم ٥٦، وكأن هناك “قفزة” في الترتيب. الأمر أثار تساؤلات بين الجمهور وأوساط المراقبين، وفتح الباب أمام فرضيات سياسية وتاريخية وحتى نفسية.

الرقم ٥٦ في قانون العقوبات والذاكرة الشعبية

في قانون العقوبات العراقي، يشير المادة ٥٦ إلى الأحكام الخاصة بمدة التوقيف والاحتجاز قبل المحاكمة، وهو بند يُستخدم بكثرة في قضايا الموقوفين على ذمة التحقيق. هذا الارتباط القانوني جعل الرقم يتردد كثيرًا في نشرات الأخبار وتقارير الشرطة، خصوصًا خلال فترات التوتر الأمني، حيث ارتبط في ذهن الشارع بمفهوم “المتهم الموقوف” أو “القضية العالقة”. مع مرور الوقت، تحوّل الرقم ٥٦ في الثقافة الشعبية إلى رمز ساخر أحيانًا ومُخيف أحيانًا أخرى؛ فالبعض يستخدمه للإشارة إلى شخص “عنده قضية”، فيما يتجنبه آخرون في حياتهم اليومية كرقم لوحات سيارات أو حتى كرقم طاولة في المناسبات. هذا المزيج بين الدلالة القانونية والانطباع النفسي يفسر حساسية الرقم في سياقات عامة، ومنها المشهد الانتخابي الحالي.

يقول لـ«إنماز نيوز» الدكتور حيدر الفهداوي، الأكاديمي في العلوم السياسي من محافظة الأنبار: استبعاد الرقم ٥٦ ليس قرارًا معلنًا رسميًا من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لكن يبدو أن الأمر مرتبط بدلالات سياسية حدثت في انتخابات سابقة. في عام 2010، كان هناك مرشح مستقل يحمل هذا الرقم وتعرض لحملة تشويه واسعة، مما جعل الرقم يُربط بالفشل أو النحس الانتخابي في أذهان بعض السياسيين.”

أما المحلل الانتخابي ميثم العزاوي، فيرى لـ«إنماز نيوز» أن السبب “أكثر براغماتية” مما يظنه البعض: في السياسة العراقية، الأرقام ليست مجرد رموز إدارية. بعض الأحزاب تعتمد الأرقام كعلامات تسويقية. الرقم ٥٦ تحديدًا ارتبط في فترة سابقة بكتلة سياسية دخلت في خلافات حادة مع أحزاب نافذة. لذلك، تجنب إعطائه لأي مرشح هو تجنب لصراع سياسي أو تلميح غير مرغوب.”

من جانبه، أشار الناشط المدني سجاد الطائي لـ«إنماز نيوز» إلى أن للموضوع بعدًا نفسيًا في الشارع: الناخب العراقي يتأثر بالرموز والأرقام بشكل لا واعٍ. هناك أرقام يعتبرها الناس ‘ثقيلة’ أو ‘مشؤومة’. كثير من المرشحين يطلبون تغيير أرقامهم إذا شعروا أنها قد تضر بحملتهم. ٥٦ أحد هذه الأرقام التي اكتسبت سمعة سلبية مع الوقت.”

ورغم محاولات الصحافة الحصول على رد رسمي، اكتفت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بتصريح مقتضب على لسان مسؤولها الإعلامي: لا يوجد قرار مكتوب باستبعاد أي رقم، والمسألة تتعلق بترتيب داخلي لأغراض تنظيمية بحتة.”

ومع غياب توضيح شفاف، يبقى الرقم ٥٦ عالقًا بين التفسير السياسي والتحفظ النفسي، ليضيف لمسة غموض جديدة إلى المشهد الانتخابي العراقي!.