المصارف الحكومية تحت مجهر الهيكلة: إصلاح مالي أم تفكيك منهجي؟

بغداد – خاص

أثار قرار الحكومة العراقية المضي في مشروع هيكلة المصارف الحكومية، وعلى رأسها مصرف الرافدين، موجة من التحذيرات والانتقادات الواسعة من قبل سياسيين وخبراء اقتصاديين، وسط جدل كبير حول مستقبل القطاع المصرفي والاقتصاد الوطني في البلاد.

تحذير من فقدان السيطرة الحكومية

رئيس كتلة الفضيلة الدكتور عمار طعمة أعرب عن قلقه العميق تجاه ما وصفه بـ”الخطوة الخطيرة”، محذرًا من أن تحويل مصرف الرافدين إلى ما يُعرف بـ”مصرف الرافدين الأول” مع تقليص حصة الدولة إلى 24% فقط، يمثل تمهيدًا لهيمنة القطاع الخاص المحلي والأجنبي على مفاصل القرار المالي في العراق.

وأضاف طعمة أن هذا المشروع جاء نتيجة لضغوط صندوق النقد الدولي منذ سنوات، وتم تأطيره في ما عُرف بـ”الورقة البيضاء” التي أعدتها الحكومة السابقة عام 2021، والتي أوصت بإعادة هيكلة المصارف ضمن خطة أوسع لتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي.

تاريخ من التدخلات الدولية ونفوذ سياسي محلي

تشير تقارير رسمية وتصريحات لمسؤولين سابقين إلى أن بداية مشروع الهيكلة تعود لعام 2021، حين صرح وزير المالية آنذاك، علي علاوي، بأن الوزارة بدأت خطوات لتغيير النظام الداخلي لمصرف الرافدين وقطع الصلة بينه وبين وزارة المالية.

إلا أن طعمة أكد أن “قطع الصلة” كان في حقيقته خطوة نحو خصخصة المصرف، من خلال فتح الباب أمام بيع أسهمه لمستثمرين محليين وأجانب، ما يُعطيهم صلاحية مطلقة في إصدار القرارات المالية.

كما شدد خبراء أن هذه الخطوة تأتي في بيئة مصرفية يسيطر عليها نفوذ تيارات سياسية، مما يضاعف المخاوف من استغلال هذا التحول في الهيكلية لتعزيز نفوذ مالي سياسي على حساب المصلحة الوطنية.

من يمتلك الودائع؟

وفقاً لمؤيدي المشروع، فإن مصرف الرافدين يحتل المركز الأول في العراق من حيث حجم الودائع، والتي تصل إلى ما بين 30 و40 تريليون دينار عراقي، معظمها ودائع حكومية.

ويرى طعمة وآخرون أن هذه الحقيقة تزيد من خطورة خصخصة المصرف، إذ أن إدارة الأموال السيادية ستنتقل لجهات خاصة لا تخضع لرقابة الدولة، وهو ما قد يؤدي إلى اختلالات مالية خطيرة.

الموقف الحكومي: إصلاحات نحو المعايير الدولية

في المقابل، صرّح المستشار المالي لرئيس الوزراء، صالح سلمان، أن الحكومة ماضية في إصلاح شامل للقطاع المصرفي، بالتعاون مع شركات عالمية مثل “إرنست ويونغ” و”KPMG”، لإعادة هيكلة ما بين 6 إلى 7 مصارف حكومية، بينها الرافدين والرشيد.

وأوضح أن مشروع التحول إلى “مصرف الرافدين الأول” سيتضمن عرض الحصة الأكبر من أسهم المصرف على البنوك الخاصة والمستثمرين الدوليين، ضمن خطة لدمج البنوك العراقية في النظام المالي العالمي.

وأكد أن الإصلاحات تشمل أيضًا القطاع المصرفي الخاص، والتوجه نحو اعتماد أنظمة الدفع الإلكتروني بالكامل بحلول تموز 2025، ما يعزز الشمول المالي والشفافية، حسب قوله.

تجارب دولية عكسية وتشريعات متجاهَلة

يطرح المعارضون للمشروع أمثلة من الاقتصاد العالمي، مشيرين إلى أن دولًا كبريطانيا قامت بإنشاء مصارف حكومية بعد أزمة 2008 بدلاً من خصخصتها.

كما أشار طعمة إلى أن الخطوة تتعارض مع المادة 29 من قانون الاستثمار العراقي لسنة 2006، والتي تمنع خصخصة القطاع المصرفي الحكومي، خصوصًا لما له من صلة مباشرة بالأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية.

الخشية من تسريح الموظفين وهيمنة رأس المال

يحذر محللون من أن الهيكلة قد تؤدي إلى تسريح أعداد كبيرة من الموظفين العاملين في المصارف، بسبب سعي المستثمرين لتقليل الكلف التشغيلية.

كما يُخشى من تضارب المصالح بين الجهة المالكة الجديدة ومصالح الدولة، خصوصًا في ما يتعلق بتوجيه الاستثمارات والسياسات الائتمانية.

بين الطموح الاقتصادي والقلق السيادي

بينما ترى الحكومة العراقية في مشروع الهيكلة وسيلة لتحرير الاقتصاد من قيود البيروقراطية وتحقيق تكامل مع النظام المالي العالمي، يرى كثيرون أن ذلك قد يؤدي إلى نقل أدوات السيادة المالية إلى جهات تجارية أو حتى سياسية، محلية أو أجنبية.

في ضوء هذه الانقسامات، يبدو أن مستقبل القطاع المصرفي في العراق سيكون محورًا ساخنًا للنقاش خلال الفترة المقبلة، لاسيما مع اقتراب الحكومة من تنفيذ هذه الخطوات قبل نهاية العام الجاري.